اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا

هل المصالحة الوطنية حقيقة ناجحة؟ (1)
01/05/2008
عباس النوري

لقد صرح السيد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأن المصالحة الوطنية نجحت، كما أنه صرح من قبل أن خطة فرض القانون نجحت.
ليس هناك عراقي وطني مخلص لا يريد النجاح للحكومة الوطنية إلا من له مصالح خاصة أو تاب لأجنده خارجية. لكن كثير من العراقيين عندما يسمعوا مصطلح المصالحة الوطنية يخطر ببالهم أمر وأحد وهو (حزب البعث) أي هو المقصود من المصالحة، وإن كان كذلك فأنهم يعتبرون البعثيين ضمن مفهوم المصطلح الوطني. أتصور أن مثل هذا الترويج يصب في مصلحة البعثيين بصور غير مباشرة. مع أن كلمة رئيس الوزراء في آخر مؤتمر للمصالحة الوطنية التي تغيب عنها كثير من القوى المشاركة في العملية السياسية قال أن لا رجعت لحزب البعث في الحكم.

لا أريد أن أناقش في هذه المقالة موضوع إصرار البعض أن المقصود من المصالحة الوطنية المراد بها البعث، ولا أريد إيجاد مبرر مضاد لما يقصده البعض لأنني واثق أن كل شيء ممكن في عراق اليوم. لكن الذي أود بيانه هو رأي حول مفهوم المصالحة الوطنية ومن المقصود بها، ثم تحليلي لتصريح السيد رئيس الوزراء العراق حول نجاح المصالحة الوطنية وعلاقة الموضوع بخطة فرض القانون ونجاحها. ولذلك سوف أضع خمسة نقاط رئيسية للموضوع، وأضع خمسة نقاط لتصوري حول التشخيص للأسباب التي أدت للبحث عن المصالحة الوطنية.

1- هل المصالحة الوطنية حقيقية.
2- ماذا تعني المصالحة الوطنية وأي تعريف واقعي ينطبق عليها.
3- المصالحة الوطنية بين من ومن ومع أي الجهات الوطنية.
4- مقولة رئيس الوزراء نوري المالكي أن المصالحة الوطنية نجحت.
5- الرأي السائد بين المراقبين والمثقفين، والرأي العام العراقي.

ليس من السهل الدخول في موضوع تعريف المصالحة الوطنية وبيان رأي محايد وموضوعي دون البحث في أسباب النزاع وأثر الخلاف في الواقع العراقي. وليس من المنطقي البحث في موضوع المصالحة الوطنية دون الإشارة للنزاعات والصراعات السياسية والقومية والمذهبية التي أدت للبحث عن مشروع مصالحة. ولذلك أنه أمر طبيعي ومنطقي أن يكون شرخ كبير بين القوى السياسية إن لم يكن هناك وفاق وتفاهم حول محاور رئيسية في أسلوب إدارة الدولة العراقية بعد سقوط الصنم. وبما أن الحالة جديدة وليس لدى الجميع خبرة في كيفية تسيير أمور دولة ليس لديها أي مرتكزات ولا بنى تحتية مؤسساتي ولا قوة أمنية كافية ولا مصانع تنتج وسيطرة الجهل والبطالة هو المتفوق. فكل هذه العوامل تؤدي لعرقلة بناء واستمرار عملية سياسية حديثة وغريبة على الشعب العراقي فهو أمرُ غير مألوف ولا متعارف عليه. وكل هذا وذاك يخلق أجواء من انعدام الثقة بل يأخذ عامل الحيطة والحذر مجالاً أوسع في التعاملات والمباحثات السياسية. ولكي أعطي لهذا الموضع حقه يجب أن أشخص الحالة التي أدت بالعراق وقياداتها لهذا المنزلق الخطير وكانت سبباً في سفك الدماء وحرمان الإنسان العراقي من العيش بسلام وأمان…وأضافت للمآسي كوارث، فتقول إحصائيات غير دقيقة عن أن عدد الأيتام فاق خمس مليون طفلٍ وطفلة، وعدد الأرامل تجاوز المليون…والأعداد في تزايدٍ مستمر…أما البطالة فلم يحصر إلا أنه قد يفوق 60% على أقل تقدير.

لابدَ لي أن أضع النقاط التي تشخص الحالة التي أدت لخلق الخلافات ثم أجبرت السياسيين للبحث عن مصالحة وطنية.

1- حسب رأي أن اللوم الأول والآخر والأكبر يقع على عاتق برايمر بخصوص خلق الخلاقات.
2- لقد أشترى جميع الممثلين في مجلس الحكم العراقي هذه البضاعة الفاسدة التي أدت لتمزيق الصف الوطني.
3- جميع القادة السياسيين كانوا أدوات ترويج لخلق الخلافات والنزاعات الطائفية والعرقية.
4- أكثر القوى السياسية المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية سلحت قواعدها من أجل قتال الآخر وتحقيق نجاح، أو الدفاع عن كيانها ووجودها.
5- جميع الأطراف خسرت القتال الطائفي وغيرت أسلوبها وطرق تحقيق مصالحها.

أولاً: لنرى ماذا فعل برايمر لكي يجعل القادة السياسيين يبحثون عن مصالحة وطنية. من الطبيعي أن القوى المعارضة قد قدمت تقارير كثيرة طيلة أكثر من عشرون عاماً في المهجر بأن الشيعة هم المضطهدين الأكثر في العراق بسبب حكم طائفي، وإن كانت الحقيقة أن الدكتاتور لم يكن همه طائفة أو دين، ولكن بسبب الحرب العراقية الإيرانية كانت الشيعة في العراق تبارك للثورة الإسلامية في إيران بشكلٍ وآخر وذلك تعبيراً عن الظلم الذي عانوه من قبل النظام البائد…وليس حباً بإيران أو انتماءاً قومياً كما لصقت التهمة بشريحة كبيرة هم الكرد الفيليين. والدليل أن الفيليين يعدون من خلص الوطنيين العراقيين بحسب رأي أكثر المراقبين للوضع العراقي وتاريخ نضالهم الوطني دليل قاطع على عراقيتهم. تلك التقارير أثرت في القرار الأمريكي وفهمهم لواقع المجتمعات العراقية أنها متكونة من قوميات وأديان وطوائف غير متجانسة. ثم أن حقد الأنظمة المتعاقبة على الكرد طيلة ثمانون عاماً من الحروب المتكررة والدمار الذي أدى بكردستان العراق، ولحلبجة دليلٌ قاطع على ذلك الحقد الأعمى…وتبقى تلك الكارثة البشرية تذكر ضمير الإنسان العالمي حالها حال (هورشيما ونكازاكي). وأن دفن أكثر من مائة وثمانون ألف إنسان بريء أحياء لهي حالة تهز حتى مشاعر الحجر إن لم تحرك ضمائر البعض (الأنفال). ولا ننسى أن تجفيف الأهوار لتشريد أهلها كان عنواناً للتطهير العرقي والمذهبي والقومي، وكيف أن النظام البائد وبالتعاون مع قوى الشر أبادت عشرات الآلاف من المنتفضين في عام 1991 يؤكد الحقد الطائفي والقومي والمذهبي…طبعاً لا نريد أن نبرئ أن أعوان النظام كانوا من جميع الطوائف العراقية. فالجميع أشترك في الجريمة وليس طرف دون آخر، لكن بنسب مختلفة…كمان كان من الكرد (الجحوش) يقاتلون أخوتهم وهم بصف النظام الدكتاتوري الظالم. برأي المتواضع مجمل هذه الكوارث والأحداث قد حددت وجهة نظر أمريكية أن سلطة حكم العراق يجب أن توزع على أساس المكونات القومية والعرقية والمذهبية حسب نسب معينة. وهذه الفكرة لم يواجهها أعضاء مجلس الحكم في حينه بل توافقوا على أمرٍ لم يدركوا خطورته…فهذه كانت من أول أسباب المشكلة التي تفاقمت حين…

ثانياً: لقد أشترى جميع الممثلين في مجلس الحكم العراقي هذه البضاعة الفاسدة التي أدت لتمزيق الصف الوطني…مما أدي إلى تقسيم الصف الوطني…

ثالثاً: بعد أن قسمت مقاعد مجلس الحكم على أساس قومي وطائفي بدأت القيادات تروج للبضاعة الأمريكية العراقية الفاسدة من خلال خطابات ملئها سموم قاتلة حين ضغطوا على نقطة الأكثرية والأقلية…وتناسوا الوطن والوطنية. فخلق مجتمع متمزق الجسد يأكل بعضه بعضا. فتشكلت تشكيلات مذهبية المجلس السياسي الشيعي، أو البيت الشيعي والمجلس السني وجماعة علماء المسلمين. ولم يكتفوا بهذا القدر، لكن الصراع السياسي كان حاد وفي أشد مراحله فأنتقل لكي يؤدي إلى….

رابعاً: جميع الأطراف التي شاركت في العملية السياسية منذ نشأتها، أما كانت مسلحة (أي لديها مليشيا) أو بدأت بالتسليح، لأن لغة المنطق والصراع السياسي لم يثبت النسب بين القوميات والمذاهب. فالجميع تصور أن قتل أكثر عدد ممكن من الطرف الآخر سيحل المشكلة وبالتالي يمكن التوصل لحالة تتقارب فيها النسب. وفي عملية التسليح للمليشيات التابعة للأحزاب كان لسلاح الجيش العراقي المنحل أثر كبير مازال العراقيون الأبرياء يدفعون الثمن. ولما أشتد الوضع وتفاقمت الأزمات هرع البعض الكثير للدول المجاورة الصديقة والشقيقة لجلب السلاح والمال والدعم السياسي والمعنوي من أجل تحقيق النصر على الأرض. وكان لنداءات بعض حكام الدول الصديقة والشقيقة أثر كبير في تأجيج وتضخيم المأزق حيث حولوه لكوارث كبيرة…بوصفهم خطر الهلال الشيعي والقمر السني…وما إلى ذلك من أوصاف ما جاء بها الله من سلطان…حقداً على شعب قد عاني الأمرين سطوة نظام قاسي وجور الجار والأشقاء. ولازالت جميع الأطراف في حيرة من أمرها للخلاص من المليشيات المسلحة والكل يدعو لنزع السلاح وهم غير قادرين من نزع أسلحة قواعدهم فكيف هم قادرون من نزع سلاح الآخرين…والبعض يتربص الدوائر بالبعض الآخر…فانعدام الثقة بات سلاحاً يأكل الخيريين كما تأكل النار الحطب.

خامساً: حين فهم جميع الأطراف أن عملية التناحر والتباعد والتربص بالآخر لا يجدوا نفعاً يحاول الأكثرية للبحث عن سبل النجاة من حالة كان هم أدواتها وأحد أهم أسبابها، ولذلك كانت عملية المصالحة الوطنية أمراً لا مفر منه. فالطرف الذي حاول أن يقتل كذا عدد من طرفٍ آخر، كان الأطرف الآخر يشن هجوماً ويقتل الأكثر…فصراخ بعض القادة داخل العراق وخارجه خير دليل على ما نقول…حين قال أحدهم: أنهم يبدونها، أنها حربٌ طائفي…!!
وقد لا تخون الذاكرة أن الذبح على الهوية…ولا ينسى عراقي مصطلح المثلث السني وما خلقوه من ظرف تعيس يدمى لها جبين الإنسانية فبدأ العالم يسخر من الإسلام بطرق مختلفة. وكان أكثر القتل تحت شعارات إسلامية مذهبية. فقطع رؤوس البشر بات أمراً متعارف عليه داخل العراق يعده الناس خارج العراق أن العراقيين من آكلي لحوم البشر. ولم تكن تبريرات أفعال القاعدة ودخول المتسللين ببعيد عن المسرح السياسي بقذف اللوم لجهات خارجية…فلو كانت القوى الوطنية متحدة من أجل مصلحة العراق وشعبه لما تجرأ الأجانب في التصرف في مقدرات العراق، لكن خذلان أهله أدى وسهل تسرب العصابات بكل أشكالها، وتسرب المخابرات بكل أنواعها للعبث في العراق دون رادع…فهم كانوا في ذمت البعض ومازال منهم بحماية عراقية والعراق منهم براء.

أما بخصوص النقاط الخمس التي ذكرتها في المقدمة حول حقيقة المصالحة الوطنية وماذا تعني ومقولة السيد رئيس الوزراء العراقي بأنها نجحت كما قال بالأمس القريب قبل صولة الفرسان وقبل خراب البصرة…أن عملية فرض القانون نجحت… أتركها لمقالة لاحقة.

المخلص
عباس النوري
‏2008‏-‏04‏-‏26
abbasalnori@gmail.com

 
 
 
 
© Copy rights 2006 kurdistan-times.com all rights reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima