|
خمسة في زنزانة
شهاب رستم
كانوا خمسة في الزنزانة ، في الطابق الثالث في الامن العام في بغداد . كانوا شبة عراة ، ملابسهم ممزقة ، لا زيارات لهم ، بل لا احد يعلم اين هم ، ولا من يعرف خبرا" عنهم . كان الجو باردا ، كان ذلك في شهر كانون الاول من عام 1977 . الزنزانة طولها متران وشيء من المتر وعرضها متر ونصف المتر . بطانية سوداء عسكرية تفترش الارض ، لم يكن وضع البطانية بافضل من ملابسهم ، غطائهم سقف الزنزانة الرطبة .
نزلاء يدخلون الى القاعة التي تقع الى الجانب الايسر من الزنزانة . ثم زنزانات على اليمين . مطرب معروف كان جارنا في الزنزانة المقابلة لنا ، الحارس يطلب منه ان يغني له اغنية ، ما عساه ان يفعل لغراب الشئم ، يدندن ، يطلب منه ان يرفع طبقات صوته ، يفعل ، يخرج صوتا مقززا من فاه وهو يسخر منه ، فيسكت المطرب وامره لله .
شباب مكبلين يدخلون الى القاعة ، اشقيائية بغداد موقوفين ممن اتذكر منهم ، احسان البغدادي ، عامر بزون ، طارق حنظل وأخرون كلهم مستاؤون مما هم عليه ، احسان البغدادي يتذمر ، لقد غدروني ولا فان هذا ابن ... رجال يوكف امامي . كان الاشقيائية يساقون في اول النهار الى خارج السجن ، يشغلونم في السخرة ، ويهينونهم ابشع الاهانات ، يرجعون اخر النهار ، وقد خار قواهم ، فينامون كالصخر حتى اليوم التالي .
عامر بزون يبحث عمن يكتب له رسالة الى صديق خارج السجن. كريم الفلسطيني موقوف لاغتصابه بنت صاحب الفندق الذي يعمل عنده ، اما سعد من السعودية لا يعرف لماذا هو موقوف ، ربما انه تعرف من خلال عنوان منشور في احد المجلات على شاب عراقي ، ضيفه في السعودية ، واستضافه الشاب العراقي فوجدوا انفسهم في الامن العام .
على ابو العيون موقوف لماذا ؟ .. لانه كان يحب اخت ضابط الامن . الشيخ المصري ، ادخل القاعة وهو واقف على رجليه كتمثال خوفوا ، طلب النزلاء منه ان يقرأ لهم بصوته الجهور آيات من القران الكريم ، ففعل الشيخ ، الكل ينصت اليه ، من الشيوعيين والماركسيين والمتدينيين ، والاشقيائية وحتلى الحرامية .
ثم مراقب القاعة ، المحامي الموقوف لاسباب غير معروفة ، ولكن لا شيء يبقى مخفيا في هذا المكان ، لقد خدع عوائل ، انه سيدافع عن اولادهم لانه من المقربين لمسؤلين كبار ، لم يكن توقيفه لانه خدع الناس بل لانه لم يدفع للمسؤول الحصة من المبلغ المعلوم .
الزنزانة ، لا منافذ لها للخارج ، سوى حفرة في الجدار كانوا يسمونه هذه الحفرة بالشباك ، ليش لا عدهم شباك على الشارع ، ولكن اين الشارع ، كانوا يضعون فتات من الخبز ( الصمون) في هذا الشباك ، ثم عصفور ياتي وياكل فتات الصمون ، منظر جميل يتكرر كل يوم .
الليل ، نادى الحارس على الشيخ المصري ، اخذوه ، من خلال الدهليز الاظلم ، بعد ساعتين او شيء فوق ذلك عاد الشيخ منفوخ الرأس ، الدم ينزف من وجهه ، وثيابه ممزق ،حتى تاب من قراءة القران .
هذا الشاب الاشقر ، على ما اعتقد كان سويسريا ، ممن لا يعترفون بالحدود الدولية ، زار دول العالم بدون جواز سفر ، في ايران القي الفبض عليه ( زمن الشاه) فلم يجدوا عنده وثائق تثبت شخصيته ، طردوه من البلد وكان وجهة سفره التالي هو العراق ، من الحدود القي القبض عليه واصبح من نزلاء الامن العام .
مات الرجل الذي كان في قاطع التحرش ، رغم انه لم يكن متحرشا ، سأل احدهم ما هو قاطع التحرش ، هم الشباب الذين قذفوا بنتا في الشارع بكلمة ، سمعه رجال الامن ، فما كان عليه الا ان يقضي شهورا في الامن العام . ولانهم شباب تجمعوا في قاطع واحد ، كل يتكلم عن طريقة محاولته لجذب انتباه البنت الذي اراد ان يفاتحها بحبه . كانت المراقبة شديدة على هذه الزنزانات لانهم سياسين .
الزنزانة ، مكان المناقشات السياسية ، لانهم كانوا رفاق الدرب ودعوة واحدة . الهدوء يخيم على الموقف ، الساعة تشير الى الواحدة والنصف تقريبا ، من يعلم ذلك ، الساعة ممنوعة الاستعمال للموقوفين السياسين ، كل من يدخل الموقف ياخذ منه كل شيء ، ما لديه من مال ، وحلقة الزواج ، خواتم ، ساعة ، كل ما يجدونه في جيب الموقوف السياسي .
على كل حال فهي ساعات متأخرة من الليل ، سمع احد نزلاء الزنزانة صوتا مريبا ، قال :
هناك طربكة. ماذا ؟ فتح الباب الخارجي ، دخل رجل طويل القامة ، تحت انفه شاربا لا يحمله حمالي الشورجة ، خلفه ، العديد من ضباط الامن ، نظر الى الزنزانة من خلال فتحة موجودة فب الباب . سأل .... ها اشلونكم ؟ بدون تردد قال احد النزلاء ، نحتاج بطانية نفرشة على الارض ، نظر الى ارضية الزنزانة ، قال ، لا ما ما يحتاج الكاع ما يبين . ثم دار وجهه ، وسار من كان خلفه وراءه .
وللقصة بقية .
|
|
|
|