اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا

أقاليمٌ مُنجّمة *
دلور ميقري
             أقاليمٌ مُنجّمة *

من مفكرة ميّت / أيلول 1952

السيارة ، مضتْ في طريقها ، آخذة ً ذكريات يومي ، الحافل . صار رأسي أثقلَ من المعتاد ، فرأيتني بحاجة إلى إغفاءةٍ . فترة من الوقت مرّت ولا شك ، دونما يقين من طولها أو قصرها ، سوى كونها خلت من أيّ حلم . هوَ السائق ، الذي يرافقني دوماً ، من تعهّد إيقاظي . إنه متطوع ، برتبة سرجنت ( أو ما أضحتْ تعرف بـ " رقيب " ، إثر الإصلاحات الأخيرة ) ؛ فتىً في مقتبل العمر ، يتنسّب لهذا الإقليم المُحاذي للبحر . وإذاً ، طالعني فور فتح عينيّ منظرٌ بديعٌ لسماء زرقاء ، صافية إلا من خطوط ورديّة . كانت سيارتي تتهادى بطيئة ً على الدرب الوعرة ، الشديدة الخطورة ، المُشرفة على وادٍ سحيق ، غارق في الضباب . بدوره ، بدا رقيبنا متململاً ، كما عكست ملامحه المرآة الصغيرة ، المثبته أمامه . أسأمته ، ولا غرو ، ليلة مرّت بلا أنيس يستنهض ثرثرته . وعلى هذا ، فقد راحَ الآن يُحاول تعويض ما فاتَ لسانه في المحبس القسريّ .

ما كنتُ ، للحقيقة ، بحاجةٍ إلى من يُعيد على مسمعي مسألة إنحسار الخطر عن هذه الدروب ، بعيد سيادة النظام في أرجاء الإقليم وتشتيت أوباش " شيخ الجبل " ؛ هذا الزاعم تجلي الربّ ـ إستغفر الله ـ في شخصه الزنيم . حينما وصلنا ، أخيراً ، إلى البلدة ، كانت الشمسُ مهيمنة عليها تماماً . جسدي ، المبترد من الرقدة الليلية ، الربيعية ، قد أسعدته هذه الأشعة الدافئة . ترجلتُ أمام بوابة القلعة ، الأثريّة ، التي سبق أن حاصرها ودكّ تحصيناتها الملكُ الناصر ؛ جدّنا الأول . إنها الآن المقرّ ، المؤقت ، لعمليات اللواء الخامس ، خلال قمع التمرّد الأخير . نظرة مُشفقة ، أكثر منها زريّة ، محضتها من ثمّ لقطعات الدرك ، المبعثرة في أنحاء المكان : فهم سبق وقدموا تضحياتٍ جسيمة ، مذ بدء الإصطدامات ، مما أجبرهم على الإعتراف بالعجز والطلب من الحكومة إستدعاء الجيش النظامي .

أخبرني الحاجبُ بأنّ الزعيم " فكرت " ، رئيس اللواء ، قد وصل للتوّ ، وأنه بصدد الإجتماع مع أركانه . أزحتُ هذا الغندور من طريقي ، فيما ألجُ الحجرة الواسعة ، المخططة مداميكها على الطريقة التقليدية ، الدمشقية . بعد تقديم نفسي ، رحتُ أجول بنظري في الآخرين . فضلاً عن الرئيس ، كان ثمة عددٌ من ضباط مراتبي ، وفيهم المقدّم " محمود شوكت " ؛ إبن حارَتنا . هذا الأخير ، ما عتمَ وبإشارة من رئيسنا المسنّ ، الشركسيّ ، أن باشرَ في عرض الوضع الميدانيّ . كان المقدّم قد عُرف في العامين ، الأخيرين ـ كمخطط للعمليات ، عبقريّ . وها هوَ الآن يستنفض خبرته على ورق الخارطة الكبيرة ، المُستجلبة خصيصاً من الأركان العامّة ؛ بالنظر لإقتصار قيادة الدرك ، في الإقليم هذا ، على خرائط طبوغرافية لا قيمة عملية لها ، كان قد صممها في زمن الإنتداب مهندسون عسكريون ، فرنسيون . أكّد زميلنا الأخبارَ المتداولة ، من أنّ " شيخ الجبل " ، المتمرد ، يتحصّن في قرية " الفاخورة " ؛ معقله الأخير . من جهتي ، كنتُ على دراية جيّدة بالوضع ، ما دامت القوّة ، التي تتبع مباشرة إمرتي ، تشارك في إحكام الحصار على العصاة ، بعدما أمهلوا فترة قصيرة للإستسلام . هكذا لم أعبأ عن الشرود بفكري ، مُقارناً ملامح المقدّم بقريبته " زينيْ " ؛ جارتنا القديمة . بكل راحة ضمير ، أستطيع الجزمَ بأنّ عمّها هذا ، كان يحظى بصيتٍ غير طيّب في الحارَة . إستنكافه عن التوسّط في معاملات الأهلين ، كان من واردات الحنق عليه ؛ وخصوصاً من لدن أولئك الراغبين في تنسيب أولادهم للمدارس الحربية . نزاهته ، التي لا تشوبها شائبة بحق ، ما كانت على الأرجح عزوة موقفه ذاكَ ، بل هوَ طبعٌ متأثل فيه ؛ طبعٌ ، يُحيل إلى التنكر للجذور . وكم أحنقني منه ، إلى درجة الإحتقار ، ما كان قد صرحَ به مؤخراً في النادي ، من أنه ذو نسبٍ قرشيّ ـ كذا ؛ بزعم أنّ عشيرته ، " عليكيْ " ، فرعٌ من آل البيت الشريف .

***
عليّ كان أن أفيقَ من شطح خيالي ، لحظة أمرتُ بتقييم دور قوات الخيالة ، التي أقودها . فيما أنا أشرح المهمّات الجسيمة ، المنوّطة برجالنا ، جازَ لي إكتناه ما تبدّى من عاطفةٍ في ملامح رئيسنا الشركسي . إنه على علم ، بكل تأكيد ، بما يُشنعه عليّ الزملاء ، اللدودون ، المتحزبون للجماعات العروبيّة ؛ من أنني عنصرٌ خطر ، شعوبيّ ، يريد العودة بالجيش النظامي إلى الأساليب البائدة ، المفتتة للوحدة الوطنيّة ؛ غامزين بذلك من قناة إسهامي بتشكيل " الفوج الكرديّ " ، المستقل ، وإستمراري حتى اللحظة الأخيرة في جيش الإنتداب . نظرة هؤلاء لصديقي ، العقيد ، ما كانت بأقلّ تعنت وتطرّف . إذ روجوا عن علاقته بالقوميين الإجتماعيين ، وأنها مبنيّة على الإنتهازيّة ، علاوة على مماهاته جذوره الأقلويّة . إنه هنا ، على كلّ حال ، من أبرز القادة المكلفين بقمع التمرّد . وها هوَ ، بدوره ، ينتهض لتقديم تقريره ، الميدانيّ ، وما يتعلق بدور قوته المدرّعة ، الفقيرة التجهيز . عبارته المقتضبة ، لم تدهشني . كان صموتاً بطبعه وداهية لا يُعرف لطموحه حدّ . وعلى الرغم من إنحداره من أكراد " حماة " ، العتاة ، إلا أنه كان رجلاً هادئاً حدّ الصفراويّة .

قدّر لنا ، نحن الثلاثيّ ، فرصة العمل سويّة ً ، أثناء القضاء على عصابة " مصياف " ، التي تزعّمها حينئذٍ أفاقٌ آخر ؛ هوَ المدعو " بو علي شاهين " . هكذا ، زيّنتْ حاشيات أرديتنا بأنواط الشجاعة ، والتي أضيف إليها ، لاحقا ، ميداليات حرب فلسطين ( رغم نتائجها المحزنة ) . في حينه ، تسنى لي مواجهة زعيم عصابة " مصياف " ، إثرَ أسره ؛ مواجهة مع كائن متوحّش ، حبيس القيود . بيْدَ أنهم ، فيما بعد ، بالغوا أمامي في إمتداح جمال زوجة هذا الوحش ، المتمرّد . عناصر الدرك ، الذين أخبرتْ بأمرها منهم ، كانوا قد أسروها مرة ً ، فحررها رجلها بالقوّة . من جهتهم ، إحتفى الفلاحون ، المعدمون ، بتلك الواقعة ، فأنشدوا بطلها زجليّة ً ، حفظتُ مطلعها ( لكثرة المرات التي أعيدتْ فيها على مسمعي ) :

" يا بو علي يا شاهين ، يا بو سيف اللمّاعي
عندما هجم عالمخفر ، قال لإمرأته إطلعي "

***
ما إن إنقضت معركة " الفاخورة " ، حتى إجتاحتني آلام الكبد . هكذا إستدعيتُ من جديد للأركان العامّة ، ربما رأفة بحالتي الصحيّة . هنا ، في الشام ، وردنا نبأ سحق التمرّد ، نهائياً . مرضي ، إذاً ، فوّتَ عليّ فرصة رؤية " شيخ الجبل " ، بعدما إستسلم للقوات المهاجمة . هكذا بقيتُ معتاداً على إستدعاء صورة " الشاهين " بمحلّ صورة هذا المتمرّد الجديد ( أليسَ كلاهما على نفس الدرجة من السوء ، في آخر الأمر ؟ ) . على أنه ، من جهة اخرى ، ما كان لي سوى الإهتمام بتلك النبوءة ، الدعيّة ، التي قذفها شدقُ " شيخ الجبل " ، في لحظة شنقه . فعندما إنتصبَ واقفاً على منصّة الإعدام ، يُقال أنّ صديقنا ، العقيد ، قد هتف به ساخراً : " أيّها الربّ ! لن أطلبَ منكَ سوى خدمة ً واحدة ، بسيطة ؛ أن تسعى ، اللحظة ، لإنقاذ رقبتكَ ! "
ـ " لا تهتمَ أنتَ لرقبتي ، بل لنجمكَ : لأنه سيأفلُ ، يوماً ، فوق أرض أنارها بالحرائق ؛ لأنه على موعدٍ ، آجل ، مع برج العذراء " .

* مستهلّ الفصل الثالث ، من رواية " برج الحلول وتواريخ اخرى "

dmailto:dilor7@hotmail.com
 
 
 
 
© Copy rights 2006 kurdistan-times.com all rights reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima