اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا

أنهم يقتلون الملائكة
عبد الجبار الحمدي
                        أنهم يقتلون الملائكة

أتت مسرعة مع أطفالها تبحث عن مكان امن فلم تجد سوى الركام وأثار المنازل التي كانت في يوم ما .. أهلة بالناس وضمت الى صدرها بقوة شديدة أطفالها وعينيها مرة ترمق السماء وأخرى تبحث فيه عن ملاذ ... كان بودها ان تنفتح بطنها لتعيد الاطفال اليها , لم تعد تستطيع حمايتهم ولم يكن عليها الانجاب في زمن العبودية الحديثة والاستعمار في ما بعد الاسلام كم ألمها منظر اطفالها وعيونهم الممتلئة رعبا وهلعا من المجهول وتلك الشفاه ترتجف جوعا وعطشا وخذلانا .... ضمتهم بقوة حتى صرخ اكبرهم وكاد يختنق , نظرت والدموع في مقلتيها تتسارع الى السقوط وجعا على ما وصل اليه الحال ولكن أبت الدموع ان تسقط خوفا من الشعور بالهزيمة واللا مستحيل ... سأقاوم نفس تحدثها وسأوصلهم الى ضفة الأمان مادام هناك نفس وعرق ينبض وعزم يدحر المستحيل , نهضت ممسكة بأطفالها وهي تحمل الاصغر منهم بين ذلك الخراب صعودا ونزولا بحثا عن مكان للسكون فيه فالليل ات والاطفال جياع عطاشى تعبون والنعاس أخذ منهم ... وأوصالها تكاد تتساقط من العناء والارهاق ونظرت الى اطفالها وقالت .... مالي افكر في حالي من أكون ومن أنا بغير هؤلاء بقيتي وأملي في الحياة يجب علي انقاذهم سحقا لنفسي ... ورجعت تنظر اليهم قائلة ها قد وصلنا سنكون بأمان بعد قليل وسنرتاح ونأكل ونشرب ... الجميع تطلع اليها وأفواههم خاوية كالكهوف وشفاههم قد عصف العطش بها حتى عادت التشققات كأخاديد فارقت الحياة ...........

وبالكاد هي تحمل جسدها على تلك الارجل التي أدميت من حجارة الدمار والقصف على المباني المتناثرة الأشلاء كأجساد ساكنيها ....والغريب أن الأطفال لا يبكون ولا يشكون جوعا أو عطشا كأنهم يدركون أنهم ملائكة ورسل ..... زحف الليل بسواد حزين مملا حتى أنه كره ارتداء لباسه الأسود وما عاد الناس يحبونه , وما عاد ينتظرونه لمسامراتهم , وما عاد يشتاقون لخلوة فيه لانها كلها أمست جحيم سرمدي ... رجع القصف وضرب المدافع والتهبت النيران بالمباني وتطايرت تلك الاعمدة الدخانية لتعلن صافرة الانذار معها بدأ رحلة الى المجهول التحفت اطفالها فزعا وسارت متقلبة على اوجاع اقدامها التي قدمت نذرا لسلامتهم دماء سالت من كثرة التعثر بالركام .... ان الحيرة تملئها من تحمل ومن تترك ليسير بقربها الكل متمسك بثيابها وكأنه متعلق بستار الكعبة يطلب الرحمة نظرت الى اصغرهم وقد ارتسم الهلع من فزعه قديسا حانيا .. احتضنته على صدرها .. مد يده يروم صدرا جفت أروقته ..أمسكت يده تهدهده .. تأملت عينيه .. ابتسمت مرارة .. ضم ابتسامتها بمقلتية لعبة تلهيه عن دوي القصف العشوائي .. اختبأت بين ربوة من مباني متساقطة او بقايا سلما لعمارة .. قالت نحن هنا اَمن انه يقيني والصغار حمماً نارية .. جلسوا ينظرون اليها ثلاثتهم أكبرهم اخرج مفردات محدثا أمه كانت رمقا وسدا لحاجز العطش والجوع ... أمي هل من ماء .. زاغت عينيها عنه عنوة حجة عدم سماعها .. لم يقوى على اعادة طلبه فأومأ بيده على فمه .. لم تستطع ان تغفل هذه المرة .. فاضت عيناها دموعا ساخنة أحرقت ارض وجهها وجعا .. قالت أصبر حتى يهدأ القصف ..اصبروا كلكم حين يهدأ سأتي بالماء وبعضا من طعام .. أخذت تهدهد لهم اغنية أشبه بتراتيل ألاهية تترجى رحمة من رب خلق فسوى فلا ينسى ... زحف الاَخران الى قربها توسدا حضنها سفينة نجاة .. غفوا كلهم أملا بأنتظار وعد منها ... سار الليل متسكعا بين حطام المباني بحثا عن نديم لم يجد سوى أثار من تسامر معهم يوما في غفلة من زمن ... خجلا.. سحب نفسه بعد ان تطلع اليها واطفالها يرتدون بعضهم بعضا في عتمة سواده البغيض ... اراد ان يهزم نفسه امام ضياء عله يكون املا لأحلام ملائكة رأهم فزعين .. شاب ليله وأنعكس الشيب يوما جديدا ما أن بان بزغه حتى قامت من بينهم بحثا عن ما وعدتهم به نظرت الى السماء داعية.. هم أمانة بين يديك.. زحفت على صخور صعودا ونزولا ترنو بعينيها على مكان اطفالها .. لا .. لا تبتعدي كثيرا خوفا عليهم خوفا من قصف في ابتعاد .. لملمت بقايا فتافيت طعام لأناس كانوا هنا ... الماء نعم هو ما أريد ..لأبحث هنا بل هناك .. نظرت الى الخلف .. لقد ابتعدت سأعود وما معي .. دوى انفجار كاد قريبا منها ركبت قدماها مسرعة تتخبط بين سقوط على الارض او بقية من شظايا أشلاء .. زاد القصف .. تربو من بعيد على مكان اطفالها .. صحوا بصراخ ينادون عليها لم يجدوها .. بكوا دموعا من عيون هلعة رعبا .. سمعت صوتا ينادي هيه انت ... يا امراة من هنا تعالي .. أبتعدي عن القصف لوذي في مكان ما .. ولكن كيف لها ان تلوذ وأطفالها هناك .. لم تسمع لهم جرت بعزم دموع اطفالها تسمع بكائهم رغم كل هذا الدوي انهم ينادوني .. لعنت نفسها على تركهم .. يا لي من أم كيف اكون بهذه القسوة تردد الشتائم على نفسها واللعنات ... ما أحست الا وأيدي تمسكها قائلة توقفي ..هيا معنا الى هناك .. أومأ أحدهم الى قافلة انقاذ سحبت نفسها من بين ايديهم صارخة أطفالي هناك ... لم يستمع احد لها ان هستيريا الدمار جعلت من فقد أهله مجنونا ..هكذا ظنوا .. ولكن أمسكت الارض بأقدامها وتدا حتى عصى عليهم حملها .. فأنصتوا لها انهم هناك مؤشرة الى مكانهم ..أنهم ثلاثة .. هناك هيا معي أخذت تسحبهم معها تجري كأن الارض ممهدة لم تعر الكبوات اهتماما لم تكن العثرة لها سوى قفزة للأمام وصلت اليهم .. شاهدها كبيرهم خرج اليها حاملا اخيه الصغير ممسكا بالأخر .. ضمتهم الى قلبها باكية تعتذر تبحث عن عفو ومغفرة في عيونهم .. لم تجد سوى عتاب ملائكي في أبتسامات أليمة ... حمل من جاء معها الاطفال مسرعين وهي تسرع في الخطوة أمامهم اصبح الامل قريب .. وتنادي هيا اسرعوا لقد وصلنا ...
كانت هناك عربتين تحمل ركاب نجت من القصف .. ومن ثم .. نظرت الى الماء امسكت بقنينة كأنها تمسك بكتاب مقدس حرمت من قرائته سقت اطفالها اكسير حياة جديدة تعلو وجوههم ابتسامات حقيقية ... نادى صوت عليهم جميعا هيا أركبوا لقد توقف القصف الان انها فرصتنا للسير .. ركب الجميع لم يبقى الا من عصى لله أمرا ... توشحت الوجوه بمرارة ابتسامات باكية على بقايا خراب وأملا خلف خراب ... سارت العربات مسرعة ..

نظروا الى عيون امهم وقد لمعت من دموع فرح بنجاة مررت يديها عليهم كأنها تخط عمرها معهم من جديد ..

وهدر صوت قوي خذوا حذركم وما أن تطلعوا الى السماء حتى تناثرت بقاياهم مع دخان متطاير يحمل خلاله ملائكة تصعد الى السماء ...

عبد الجبار ال حمدي
 
 
 
 
© Copy rights 2006 kurdistan-times.com all rights reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima