اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا

«أبو الخصيب» جنة تحت أقدامها الماء.. وأهلها يسألون الرعاية
الثلاثاء 06/05/2008
الرابعة مساء شددنا الرحال ــ أمس ــ الى قضاء «أبو الخصيب» على بعد 15 كيلومترا جنوب البصرة. لم أكن زرت هذا القضاء من قبل سوى مرة واحدة عابرة في نهاية السبعينات من القرن الماضي، فيما تملكني خلال ــ هذه الزيارة ــ احساس برغبة الاعتراض على تسميته الادارية بـ «القضاء»، متسائلا: ما الذي سيحدث لو تركت هذه الكنية «أبو الخصيب» وحدها معبرة عن هذه البقعة التي تتوسد شط العرب.
كان ينبغي أن تبقى اسما على مسمى. فالشجر والنبات والأنهار والنخيل كلها مفردات لم تجد معنى حقيقيا للتعايش والمنافسة في ما بينها من أجل الجمال الا في هذه المنطقة.

من «العشار»، مركز المحافظة، باتجاه منطقة "الخورة" سلكت بنا السيارة شارعا ضيقا، كثير الالتواء، لكنه يهجس في عيون ناظريه كلما قطعوا منه مسافة بأنه آخذ بأبصارهم الى ربيع دائم بسبب تشابك الأشجار على جانبيه والتي تزداد كثافة كلما اجتزنا واحدا من الأنهار على جسور ما زالت قوية.
سألنا عن تعداد شبكة الأنهار، وحصلنا على اجابات مختلفة، فيما اكتفى البعض بالقول: »هو أبو الخصيب.. أبو الأنهار».
«بويب» النهر الذي ظل لصيقا بالشاعر الراحل بدر شاكر السياب، الذي طالما تغنى به واستحمت في مياهه كل أوجاعه والتياعاته لم يكن هو الوحيد. فثمة انهار أخرى منها: الخورة، والسرّاجي، وحمدان، وعويسيان، وخوز، والحبّابة، وباب سليمان وأبو فلوس. كلها أنهار رفيقة لنهر السياب كان الأتراك في العهد العثماني قد شقوها من «شط العرب» لتروي «غابة النخيل ساعة السحر».
حقا غابة نخيل تسد عنك ضوء الشمس عند الغروب لتحتضن بساتين البرتقال، والليمون، والأعناب، والتين، والمانغو.

النخلة من أفراد العائلة
بين هذا المشهد الأخضر آثرنا السير على الأقدام فيما أهل الأرض كانوا يردون علينا كلما أعربنا عن دهشتنا بالقول: «لو شايفينها سابقا».
الفلاحون الطيبون ومالكو هذه الأرض أكدوا أنهم في أقسى الظروف المعيشية، لاسيما في زمن الحصار رفضوا ان يبتاعوا من أرضهم شبرا واحدا بسبب تمسكهم بها. فالنخلة الواحدة بالنسبة لهم مثلها مثل أي فرد من أفراد العائلة «لا يمكن التفريط به مقابل مال الدنيا كلها».
تتوسط قامات النخيل الشاهقة والمتوسطة والقصيرة مساحات مزروعة بالخضار المتنوعة، مثل: الفجل، والنعناع، والريحان، والطماطم، والباذنجان، والرقي والبطيخ. أخبرنا أصحاب هذه الخيرات أنهم عاودوا اعمارها بجهودهم الشخصية وبلا مساعدة من الدولة لسد حاجة البصرة وضواحيها. كما أشاروا الى أن أشجار الحمضيات ستستعيد عافيتها بعد الخراب الذي لحق بها منذ الحرب العراقية- الايرانية.

ضحية الحرب العراقية الايرانية
كان «أبو الخصيب» خلال الحرب العراقية الايرانية، وعلى مدى ثماني سنوات، مسرحا للعمليات العسكرية. لأنه كان يقابل كل من منطقتي «جزيرة أم الرصاص» و«نهر جاسم». وهما المنطقتان اللتان شهدتا أعنف المعارك.
ابان تلك الحرب، عمد النظام السابق الى تجريف عدد من البساتين للاستفادة من التراب في اقامة السواتر الترابية للجيش العراقي. بعض الفلاحين أشاروا الى أنهم بدأوا منذ سنة في استصلاح تلك المساحات التي تم تجريفها، وزراعتها بشتى أنواع الخضار «لأن الأرض مازالت معطاءة وسريعة الانبات».

القذائف حزت رؤوس النخيل
ثمة منازل حديثة، فارهة وعالية، تضع أساسها على مياه الأنهر. وأخرى حفر الزمن فيها نياشينه. وأخرى ظلت شاهدة على قساوة الحرب بعد أن حفرت جدرانها قذائف المدفعية التي حزت أيضا رؤوس النخيل.
معظم السكان الحاليين هم من النازحين الذين تركوا منازلهم في قضاءي الفاو والسيبة بسبب الحرب، فاستقروا فيها بالايجار مقابل أجور رمزية.
بيد أن حشد المناظر الخلابة في هذه البقعة لا تشعر زائرها بوطأة كل ما جرى عليها في زمن مضى، خصوصا أن مالكيها وفلاحيها مملوؤون عزما واصرارا على اصلاح ما خربته عوادي الزمن.

بين البساتين
منازل أخرى عائمة في الخضرة ومتوارية خلف سعف النخيل لا يمكنك مشاهدتها ما لم تمعن النظر، أطل من وراء احدها رجل نادى علينا: «تفضلوا»، وبعد تبادل التحية آثر أن يصطحبنا في هذه الجولة الراجلة بين البساتين.
هو الحاج مطشر جماغ عرفنا فيما بعد أنه واحد من تجار البصرة المعروفين يمتلك في أبو الخصيب مجموعة بساتين اتخذ له من بينها منزلا يسكنه في فصل الصيف ويستقبل ضيوفه فيه خلال تواجده في بساتينه للاشراف على عمل الفلاحين.

مستندات منازل لكويتيين
بعد أن عرف أننا في مهمة صحفية تابعة لـ «القبس» طلب أن يعود الى منزله لسبب وصفه بأنه يهم الكويتيين.
انتظرناه قليلا حتى عاد الينا متأبطا مجموعة أوراق، وقال «سأطلعكم عليها حالما نجلس للاستراحة».
أشار الى أن عددا من هذه المنازل وبعض البساتين تعود لكويتيين كانوا قد اشتروها وكانوا يأتون مع عائلاتهم اليها خلال فصل الصيف.
نادى على أحد الفلاحين، طالبا ان يمد لنا حصيرا لغرض الجلوس وتناول الشاي، ثم استطرد خلال فترة جلوسنا، قائلا: «كان لي أصدقاء كويتيون. وقد تقطعت بيننا الأسباب نتيجة الظروف المعروفة التي حالت دون مجيئهم الى هنا أو ذهابنا الى هناك. وقد حرصت وفاء للصداقة على أن أستحصل على بعض المستندات الرسمية التي تؤكد عائدية بيوتهم ومزارعهم بشكل رسمي».
ثم عرض بعضا من هذه المستندات التي كان حصل عليها من مديرية الطابو، التابعة لقضاء أبو الخصيب.
وفيما رفض اعطاءها لنا سمح لنا بتصوير بعضها. واحدة من هذه الوثائق أو المستندات ورد فيها، تحت حقل «المالك»، اسم سليمان صالح الرهيماني وولديه «القاصرين» ــ آنذاك ــ أحمد وصالح.
وتحمل هذه الوثيقة رقم القطعة 21 ورقم الاضبارة ــ أي الملف ــ 26.
وتابع أنه يحتفظ بنحو مائة مستند لمائة قطعة أرض تؤكد عائديتها لأصحابها الشرعيين.
سألناه عن كيفية اخلاء هذه البيوت من سكانها الحاليين في حال طالب أصحابها باخلائها منهم؟
أجاب: «جل هؤلاء نازحون منذ زمن الحرب، وقد استوطنوا بيوت الكويتيين. كما أنهم أسهموا في الحفاظ عليها، لذا يمكن أصحابها الشرعيين ان يقدموا لهم تعويضا في مقابل اخلائها».

بساط أخضر
ودّعنا الرجل، وبقينا نتأمل سلسلة من المناظر المبهجة التي تطالع الزائر بين الحين والآخر.
كل هذا البساط الأخضر محفوف بالساحل من جهة الشرق، فيما يربض عدد من المباني والبيوت على ضفاف الأنهار، بيد ان ثمة عائلات غزت هذه المنطقة لتبني على أرضها منازل خفيضة وبطريقة عشوائية تشعرك بأنها النشاز الطارئ على ما جادت به يد الطبيعة.
والنشاز الآخر الذي سطا على هذه الأرض الزاهية هو اتخاذ عدد غير قليل من الارهابيين من بساتينها ملاذا ومنطلقا لممارسة بشاعتهم ضد الناس الآمنين.

سطوة الإرهاب
أكد بعض الفلاحين أنهم كانوا عرضة لابتزاز بعض العناصر الارهابية، اذ كانوا يتهددونهم في حال مطالبتهم بالرحيل عن أرضهم. وأشاروا الى حصول معارك متقطعة بينهم وبين هؤلاء العناصر.
وتابعوا أن الاشتباكات التي كانت حصلت في البصرة بين القوات الحكومية وعناصر الميليشيات قد تركت بصماتها على أبو الخصيب، لأن العناصر الارهابية قد فروا جميعا بسبب وجود الدوريات العسكرية المتواصلة في المنطقة للبحث عن مطلوبين منذ بدء تلك العمليات.

القبس
 
 
 
 
© Copy rights 2006 kurdistan-times.com all rights reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima